كتبت: يارا السامرائي
إنَّ السّفر والتّرحال والهجرة -بمراعاة أكيدة للفروق التعريفيّة البسيطة فيما بينهم- يُشكّلوا أحياناً فريقاً مِن الدّوافع القويّة للفنّان حتّى يُمسِك بقَلَمه وريشته وألوانه وأدواته ليُخرِج مِن أعماق كيانه لَوحة تُضاف لقائمة الأدلّة التي تخبر مَن حوله بِما فعلته ظروف الحياة به وبروحه التي لاذَتْ بالفرار وراء تلك الخطوط الانسيابيّة المُتعانِقة بالألوان المُتجانِسة الهائِمة على الورق.
أخبرتنا الفنّانة المصريّة علياء خالد أنّها رسمَتْ تلك اللَوحة وقتما كان والدها بدَولة الكويت الشّقيقة؛ إذ ذات يوم مِن أيّام فصل الصّيف حزمَتْ حقائبها وسافرَتْ لوالدها مُشتاقة إليه هي وبَقِيَّة أفراد أسرتها الصّغيرة، وحين وصلَتْ بصحبتهم لفتَ انتباهها إنّه قد قام بقصّ إحدى الصّور مِن إحدى الصُّحُف المطبوعة بالأبيض والأسود وبَرْوَزَها أيضاً، فعلمَتْ وقتها أنَّ تلك الصّورة قد حازَتْ على إعجابه مما دفعها ذلك الأمر لاتّخاذ قرار برسمها خصّيصاً له ومِن أجله قبل أن تغادر عائِدة لبلدها مصر؛ فكل ما رغبَتْ فيه حينها هو أن تترك له هديّة جميلة تؤنس وحدته ويتذكّر بها أوقات وجودهم بجانبه في الغُربة، ولذا شرعَتْ في رسمها ولم تكتفِ بذلك فقط بل أضافَتْ لها الألوان غير مُقلِّدة أو مُجرَّد ناقِلة وسعَتْ جاهدة لتكون النّتيجة ممتازة مثل الصّورة الأصليّة التي رأَتْها عيناه بل أفضل مِنها.
كانتْ علياء خالد تسرِع في خطوات رسم تلك اللَوحة المُميَّزة، كما كرّسَتْ لها كل وقتها على مدار يوم كامِل قبل العَودة لمصر حتَّى تُتاح لها فرصة تركها لوالدها، ورغم الحزن الذي كان يحيط بالمنزل بسبب الابتعاد مرة أخرى إلّا أنّها نجحَتْ في إتمام مهمّتها.
وفيما يخصّ الخامات التي استندَتْ عليها الرّسّامة المصريّة علياء خالد للوصول لتلك النّتيجة فهي: وَرَق الكانسون وألوان خشب فابر كاستل.
أحبَّتْ علياء أن يشاركها والدها بأوقات رسمها تلك اللَوحة تحديداً؛ فكانَتْ تعرض عليه مجموعات مِن الألوان ليقرّرا سوياً أي الدرجات عليها أن تختار وتنتقي من خلال تبادل الآراء فيما بينهما، كما كانَتْ كلما تفرغ مِن رسم جزء مِنها تسأله عن رأيه بما أنجزَتْ، وكأنّها بتلك الطّريقة تحافظ عالوقت الذي يُسرق مِنها قبل رحيلهم عنه وكأنّها أيضاً ترجو تلك السّاعات المُتبقية لهم في حضرة والدها أن تستمر وتدوم للأبد.
حين انتهَتْ مِن اللَوحة تماماً ورآها والدها في شكلها النّهائي، سعدَ بها كثيراً وأعجب بالألوان ودرجاتها ومستويات التّناسق فيما بينها، كما أثّرت في حالته النّفسية آنذاك؛ فقد تركَتْ تلك التّجربة الجميلة والودودة أثراً طيّباً في نفسه ونفسها هي الأخرى.
وعلى جانب أخر توجّه الرّسّامة علياء خالد رسالة مِن خلال تلك الرّسمة؛ إذ أوضحتها مِن خلال تلك العبارات التي صرّحَتْ بها: "إنَّ تلك السّيّدة الرّيفيّة الجميلة التي تحمل الفواكه بتلك اللَوحة جمعَتْ بين عدّة أمور ألا وهي: الجمال والعمل والكفاح والرّضا والسّعادة فى آن واحد؛ فهي رمز للمرأة القويّة العاملة وما تحمله مِن رقيّ داخلي وخارجي، وتلك دعوة لجميع السّيّدات العامِلات للتّشبّه والاقتداء بها".

تعليقات
إرسال تعليق